السيد محمد حسين الطهراني
86
معرفة المعاد
بحث الشهادة أيضاً شَهِيدُ الشُّهَدَاءِ . ولا بدّ من معرفة أنّ مفاد آية : وَمَآ أرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ ، التي تفيد كون خاتم النبيّين أفضل وأشرف من جميع المخلوقات ، مُغاير لمفاد الآية الواردة في سورة الجاثية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِي إسْرَاءِيلَ الْكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّن الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ . « 1 » لأنّ ظاهر الآية الأخيرة يفيد بأنّ الله تعالى قد أعطاهم الآيات الباهرة والبراهين الواضحة ، كالكتاب والحكم والنبوّة ، ففضّلهم بها ، والأمر كذلك بكلّ تأكيد . أمّا التفضيل في مقام القرب إلى الله تعالى ، والتفضيل في درجة التقوى والمنزلة الإلهيّة ، فلا يمكن استفادته من هذه الآية . والدليل على ذلك هو أنّ الله قد عذّبهم بأنواع العذاب الدنيويّ ، وصبّ عليهم ألوان سخطه ونقمته ، وأنزل عليهم الرجز من السماء . كما أنّ من الجليّ - مضافاً إلى ما تقدّم - أنّ تفضيل امّة أو جماعة على العالمين هو غير تفضيل فردٍ واحد على العالمين ، خاصّة وأنّ ذلك التفضيل وتلك المزيّة والتفوّق عبارة عن الرحمة الإلهيّة الخاصّة التامّة التي هي بين الحقّ جلّ وعزّ وبين الموجودات . ويمكن أن يقال للرحمة الخاصّة التامّة بين الله والموجودات بأنّها شيء ، كما يمكن القول أيضاً بأنّها لا شيء . فهي شيء بلحاظ كونها رحمة مطلقة للحقّ وظهوراً أقرب وتجلٍّ أعظم ، وهي لا شيء لأنّها ليست كالموجودات ، فلا يصحّ تسميتها شيئاً كالموجودات . وهي مرآة وآية وتجلّ ، وهي المعنى الحرفيّ والفناء الكلّيّ والاندكاك في السعة .
--> ( 1 ) - الآية 16 ، من السورة 45 : الجاثية .